الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
203
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
منهما ذكر احتمالات متعددة ، ذكرنا قسما منها . و " العلامة الطباطبائي " في " الميزان " يرى أن " ما بين أيديكم " الشرك والمعاصي في الحياة الدنيا ، و " ما خلفكم " العذاب في الآخرة ( 1 ) . في حين أن ظاهر الآية هو أن كلا الاثنين من جنس واحد ، وليس بينهما سوى التفاوت الزمني ، لا أن إحداهما إشارة إلى الشرك والذنوب ، والأخرى إشارة إلى العقوبات الواقعة نتيجة ذلك . على كل حال فأحسن تفسير لهذه الجملة هو ما ذكرناه أولا ، وآيات القرآن المختلفة شاهد على ذلك أيضا ، وهو أن المقصود من " ما بين أيديكم " هو عقوبات الدنيا و " ما خلفكم " عقوبا الآخرة . الآية التالية تؤكد نفس المعنى وتشير إلى لجاجة هؤلاء الكفار وإعراضهم عن آيات الله وتعاليم الأنبياء ، تقول الآية الكريمة : وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين . فلا الآيات الأنفسية تؤثر فيهم ، ولا الآفاقية ، ولا التهديد والإنذار ، ولا البشارة والتطمين بالرحمة الإلهية ، لا يتقبلون منطق العقل ولا أمر العواطف والفطرة ، فهم مبتلون بالعمى الكلي بحيث لا يتمكنون حتى من رؤية أقرب الأشياء إليهم ، وحتى أنهم لا يفرقون بين ظلمة الليل وشمس الظهيرة . ثم يشخص القرآن الكريم أحد الموارد المهمة لعنادهم وإعراضهم فيقول : وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين . ذلك المنطق الضعيف الذي يتمسك به الأنانيون والبخلاء في كل عصر وزمان ويقولون : إن فلانا أصبح فقيرا بسبب عمل ارتكبه وأدى به إلى الفقر ، مثلما أننا أغنياء بسبب عمل عملنا فشملنا لطف الله ورحمته ، وعليه فليس فقره ولا غنانا
--> 1 - الميزان ، المجلد 17 ، الصفحة 96 . ( ذيل الآيات مورد البحث ) .